سيد محمد طنطاوي

173

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والأدعياء : جمع دعى . وهو الولد الذي يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل يتبنى ولد غيره ، ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية ، ومنها حرمة زواج الأب بزوجة ابنه بالتبني بعد طلاقها ، ومنها التوارث فيما بينهما . قال ابن كثير : وقوله : * ( وما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ) * هذا هو المقصود بالنفي ، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة ، مولى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فقد كان صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد تبناه قبل النبوة ، وكان يقال له زيد بن محمد . فأراد اللَّه - تعالى - أن يقطع هذا الإلحاق ، وهذه النسبة بقوله : * ( وما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ) * ، كما قال في أثناء السورة : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ولكِنْ رَسُولَ اللَّه وخاتَمَ النَّبِيِّينَ « 1 » . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ) * يعود إلى ما سبق ذكره من التلفظ بالظهار ، ومن إجراء التبني على ولد الغير ، وهو مبتدأ ، وما بعده خبر . أي : ذلكم الذي تزعمونه من تشبيه الزوجة بالأم في التحريم ، ومن نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين ، هو مجرد قول باللسان لا يؤيده الواقع ، ولا يسانده الحق . قال ابن جرير : وقوله : * ( ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ) * يقول - تعالى ذكره - هذا القول ، وهو قول الرجل لامرأته : أنت على كظهر أمي ، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه ، إنما هو قولكم بأفواهكم ، لا حقيقة له ، ولا يثبت بهذه الدعوى نسب الذي ادعيت بنوته ، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها : أنت على كظهر أمي « 2 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( واللَّه يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) * أي : واللَّه - تعالى - يقول الحق الثابت الذي لا يحوم حوله باطل ، وهو - سبحانه - دون غيره يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذي يوصل إلى الخير والصلاح . وما دام الأمر كذلك فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم التي ألفتموها . والتي أبطلها اللَّه - تعالى - بحكمته ، واتبعوا ما يأمركم به - سبحانه - . ثم أرشدهم إلى الطريقة السليمة في معاملة الابن المتبنى فقال : * ( ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه ) * أي : انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم ، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند اللَّه - تعالى - . قال الآلوسي : أخرج الشيخان عن ابن عمر - رضى اللَّه عنهما - أن زيد بن حارثة مولى

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 377 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 21 ص 75 .